المقريزي
209
المقفى الكبير
بإمرة عند قدوم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وإقامته في السلطنة مرّة ثانية في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّمائة . وأقيم في أستداريّة السلطان نيابة عن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بعد نفي الأمير سنجر الجاولي في محرّم سنة ستّ وسبعمائة ، فاستمرّ في ذلك إلى أن خرج مع الملك الناصر يريد الحجّ في شهر رمضان سنة ثمان وسبعمائة . فعرّج إلى الكرك وكتب معه بأنّه قد نزل عن السلطنة ، فقام بها بيبرس الجاشنكير وتلقّب بالملك المظفّر . فزادت مكانته . وعندما توقّف ماء النيل عن الزيادة في سنة تسع وسبعمائة توقّع الناس الغلاء ، وامتنع الأمراء من بيع الغلال التي بالشون « 1 » . فتقدّم الخطيريّ إلى مباشريه ببيع سائر غلاله وأن لا يتركوا منها إلّا قدر مؤنته لسنة ، وأن لا تباع غلّاته إلّا على الفقراء . فارتفق الناس بها . ولم يزل إلى أن فرّ الملك المظفّر . فخرج فيمن خرج معه من الزامه « 2 » إلى إطفيح في سادس عشر رمضان ولم يزل معه [ حتى وصل المظفّر ] إلى إخميم . فعاد [ أيدمر ] إلى القاهرة ، وقد ملك الناصر قلعة الجبل . فخلع عليه ، ثم قبضه عقيب ذلك هو وبكتوت الفتّاح أمير جندار ، وسجنا بالإسكندريّة إلى أن مات الفتّاح ، فنقل الخطيريّ إلى مكانه . وكان للأمير بكتوت الخزنداريّ نائب الإسكندريّة به عناية . فلمّا ورد عليه المرسوم بنقله بعث له في خفية إناء كبيرا جدّا فيه ماء . ومعه رغيف كبير من خبز يزن أرطالا كثيرة ليتقوّت بذلك ، فإنّ السلطان كان يقتل الأمراء بمنعهم الزاد والماء ، فعند ما دخل الخطيريّ إلى حيث مات الفتّاح ورأى ما ذكرنا فهم المراد ، وتبلّغ به أيّاما ونجا . وطار الخبر إلى القاهرة بنقله إلى موضع الفتّاح فأيس منه أتباعه وكان قد أسند وصيّته عند القبض عليه لأستاداره بدر الدين بيليك . فلم يزل يسعى له عند خواصّ السلطان ويملأ أعينهم بما يهديه إليهم من التحف حتى ودّ كلّ منهم لو خلص الخطيريّ . فشقّ عليهم ما صار إليه ولم يشكّوا في هلاكه ، وأطلعوا بيليك على هذا ووصّوه بحفظ مال أستاذه لأولاده . فمضى عنهم وترقّب ورود الخبر بموته . فلم يمض سوى أحد عشر يوما حتى [ 258 ب ] رأى في منامه قائلا يأمره بالصدقة عن أستاذه . فلمّا أصبح تصدّق من شونة الخطيريّ بألف إردت قمحا ، ومن ماله بعشرة آلاف درهم فضّة في يومه . ومضى الغد وبعده تتمّة ثلاثة عشر يوما ، وإذا بقصّاد خواصّ السلطان أتوه بطلبه . فلمّا أتاهم أخبروه أنّ السلطان البارحة ذكر الأمراء المحبوسين وقال : أترى الخطيريّ يعيش إلى اليوم أو مات ؟ فوجدوا السبيل إلى الكلام وسألوه في الإفراج عنه ، فقال : ما تدركونه إلّا وقد مات . فقالوا : يرسم السلطان ونتكل على اللّه . فإن كان حيّا حصل له الفرج وإن كان ميّتا فيرحمه اللّه . فأنعم بالإفراج عنه . فسرّ بذلك . وعقبها حضر الخطيريّ إلى القاهرة في أثناء ذي الحجّة سنة إحدى عشرة ، فأقبل عليه السلطان وأنعم عليه بإقطاعه ، وكان بيد الجاوليّ . فاستمرّ من جملة أمراء مصر ، وعدّ هذا من بركة الصدقة . فصار أمير مائة مقدّم ألف يجلس رأس الميسرة ولا يمكّن من المبيت إلّا في قلعة الجبل ، فلا ينزل لداره برحبة باب العيد من القاهرة
--> ( 1 ) الشونة : مخزن الحبوب . ( 2 ) الإلزام : خاصة السلطان من حرّاسه وحاشيته ( دوزي ) .